محمد راغب الطباخ الحلبي

404

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

يومئذ مائة وخمس سنين . وفي هذه السنة أو التي بعدها ترك المناصب ولزم بيته وهو ممتع بصحته وعقله ولم تقلع له سن ولا حني ظهره ، وصار الوزراء والكبراء وذوو الوجاهة يزورونه في منزله ويستمدون من آرائه . بقي على ذلك إلى أواخر سنة 1308 ، ففيها توفي إلى رحمة اللّه تعالى ودفن في تربة الشيخ جاكير وقد بلغ من العمر مائة وعشر سنين ، وربما لا يمر عليك في تاريخنا من بلغ هذه السن . وكان رحمه اللّه شجاعا مقداما وقورا مهابا سخيا محبا لأهل العلم مكرما لهم متواضعا حسن المعاشرة لطيف المذاكرة ، من ذلك ما حدثني به الأستاذ الكبير شيخنا الشيخ محمد أفندي الزرقا رحمه اللّه قال : اجتمعت يوما مع محمد آغا المكانسي في بيت في محلة باب النيرب في خطبة في زواج اجتمع فيه خلق كثير ومعهم المنشدون ، وقد كان ذلك عادة متبعة في ذلك الحين ، فجر الحديث إلى ذكر الموت ، فقال لي محمد آغا : الموت على ثلاثة أقسام : موت أبيض ، وموت أحمر ، وموت أسود ، أما الموت الأبيض فهو الموت الاعتيادي ، وأما الموت الأحمر فهو الفقر ، وأما الموت الأسود فإنسان يرافقك ولا يوافقك ولا يفارقك . وكان المترجم طويل القامة أسمر اللون واسع العينين أشهلهما واسع الجبين أقنى الأنف ، تدلك رؤيته على شهامة وشجاعة وعلو جناب . وحدثت عنه غير مرة أنه كان قوي الحافظة يحفظ ما جرى معه وفي زمنه وقبل ذلك من الحوادث ، ولو كان في عصره من يكتب ما يحدّث به لجمع من ذلك تاريخ حافل مفعم بالحوادث المهمة التي حصلت في القرن الماضي . وأخبرني ولده طاهر آغا الذي توفي سنة 1340 وكتب لي به أيضا أن أصل عائلتهم من الغرب من بلدة مكناس ، قدم جدهم الأعلى أحمد سويدان المكناسي مع أخيه إلى حلب سنة 885 في أيام دولة الجراكسة ، وكانت شهرتهم ببيت المكناسي ، وبتقادم الأيام حرفت إلى بيت المكانسي ، وهاجر مع جدهم المذكور اثنان من أخوته ، الواحد توجه إلى بصرى الحرير من بلاد الشام فنزلها واستوطنها وله بها ذرية إلى يومنا هذا تعرف ببيت الحريري ، والثاني نزل في حسّة البلدة التابعة لقضاء حمص وتوطنها وله بها ذرية تعرف ببيت سويدان ، منها الآن عبدو آغا سويدان من كبراء تلك البلدة وزعمائها . وأخبرني أن عائلتهم تنتسب